[Skip to Content]

سورين كيركغارد

"العباقرة كالعواصف الرعدية يسيرون عكس اتجاه الريح ويروعون الناس وينقون الهواء". هكذا كتب سورين كيركغارد عام 1849، فقد كان يعتبر نفسه عبقريًا وربط بين عبقريته الفكرية وبين "كونه من الأقلية".

دائمًا ما كان سورين كيركغارد يسير عكس اتجاه الريح وعكس الحركات والأنظمة السائدة، وكان يسلك هذا الاتجاه ظنًا منه بأن "الحقيقة موجودة فقط في الأقلية". ولقد طرح سورين كيركغارد الواقعية الممثلة "في الفرد الواحد" في مقابل التجريدية الممثلة في الأغلبية. 

عاش سورين كيركغارد حياته بالكامل في كوبنهاجن مسقط رأسه. أما فترة طفولته الغريبة التي قضاها في منزله في نيتورف فقد حملت طابعي التشدد الديني والكآبة المميزين لوالده.

درس سورين كيركغارد اللاهوت في جامعة كوبنهاجن لمدة طويلة تراوحت ما بين عام 1830 إلى 1840. ومع ذلك فقد لعب اللاهوت دورًا ثانويًا في حياته وحل محله الأدب والمسرح والسياسة والفلسفة وحياة ماجنة اتخذت جزئيًا شكل التحدي للأفكار المسيحية المتشددة والكئيبة التي غلبت على الحياة في بيته.

ولكن بعد الصحوة الدينية عام 1838 ووفاة والده في العام ذاته، عاد سورين كيركغارد مرة أخرى لدراسة اللاهوت وتخرج متخصصًا في هذه المادة في يوليو 1840.

وبعد مرور شهرين خطب سورين كيركغارد فتاة تدعى ريجين أولسن تصغره بتسع سنوات. ولكن بما أنه، "انطلاقًا من الحس الديني لديه"، يعتبر أنه "كرس حياته منذ الطفولة" لله، فإنه لم يتمكن من الزواج من ريجين. وبعد مرور ثلاثة عشر شهرًا مريرًا، أنهى الخطبة وانفصل عنها في أكتوبر 1841.

 

 

تركت هذه العلاقة الغرامية الحزينة أثرًا عميقًا بداخله طوال حياته ودفعته إلى تأليف كتاب Either/Or (إما/أو) ومقالتين تثقيفيتين نشرتا في يوم واحد في عام 1843. في مطلع عام 1838 قام سورين كيركغارد بنشر أول كتبه From the Papers of One Still Living (من أوراق شخص ما زال على قيد الحياة)، حيث تناول تحليلاً نقديًا لرواية هانز كريستيان أندرسن المعروفة باسم Only a Fiddler (مجرد عازف)، وفي عام 1841 ناقش أطروحة الدكتوراة تحت عنوان On the Concept of Irony (حول مفهوم السخرية).

 و انقسمت المنشورات الفلسفية والنفسية والدينية والمسيحية التي ألفها وحملت نحو 40 عنوانًا على مرحلتين: الفترتان ما بين 1843 إلى 1846 و1847 إلى 1851. ففضلاً عن كتابه Either-Or (و/أو) وعدد من المقالات التثقيفية، تضمنت المرحلة الأولى عناوين مؤلفات مثل Fear and Trembling (الخوف والارتعاش) وThe Concept of Anxiety (مفهوم القلق) وPhilosophical Fragments (شذرات فلسفية) وConcluding Unscientific Postscript (اختتام الملاحق غير العلمية)، حيث يستعرض العمل الأخير الفترة الانتقالية بين المرحلتين.

أما المرحلة الثانية المسيحية فتضمنت مؤلفات مثل؛ Works of Love (أعمال الحب) وChristian Discourses (الخطابات المسيحية) وThe Sickness unto Death (السقم حتى الموت) وPractice in Christianity (ممارسات المسيحية). كل ذلك إضافة إلى المجلات وما يقرب من 64 مفكرة ومذكرة احتفظ بها سورين كيركغور في الفترة ما بين 1833 إلى 1855، حيث انطوت على نظرة ثاقبة للطريقة التي يتبعها في العمل، في "الكواليس".

ويصف سورين كيركغارد في أعماله الإمكانات المختلفة للوجود، وخاصة في مراحلها الثلاث الرئيسية والتي يطلق عليها اسم "نطاقات الوجود". وهذه النطاقات هي الجمالي والأخلاقي والديني حيث بيَّنَ كيركغارد قصورها فيما يتعلق بكل ما هو مسيحي حقًا. ويتحول الفرد إلى ذات صادقة فقط عندما يربط نفسه بالخالق. ولا يسعه أن يكون ذاتًا صادقة سوى بالإعلان عن إيمانه بالرب وغفران الرب له خطاياه.

 

ولكن، "إضافة إلى الإيمان بالرب، يتعين على المرء أيضًا التصرف كمسيحي حق". ولذا، فالصدق دليله صدق العمل كما أن الإيمان دائمًا دليله الفعل.

اعتبر سورين كيركغارد نفسه أديبًا متدينًا مهمته "عرض المسيحية على الآخرين". فقد أراد "تنقية الجو العام" بالتخلص من أوهام الحواس وجميع مظاهر النفاق وإيجاد سبيل للعودة إلى "مسيحية العهد الجديد". استنادًا لهذه الخلفية، شن في سنواته الأخيرة هجومًا على مسؤولي الكنيسة والمسيحية التي يبشرون بها رسميًا.

بدأ سورين كيركغارد "معركته مع الكنيسة" في أواخر عام 1854 وذلك من خلال مجموعة من المقالات الصحفية وواصلها بذكاء حاد وآراء متطرفة ونزعة صحفية في المنشورات التي أطلق عليها اسم The Moment 1-9.

وفي أكتوبر عام 1855 سقط مغشيًا عليه في الشارع وقد تمكن منه الإنهاك والمرض وتم نقله إلى المستشفى حيث توفي بعدها بخمسة أسابيع. ويتضح من خلال التراجم الألمانية أن شهرة سورين كيركغارد ترسخت خارج الدنمارك في مطلع القرن تقريبًا، ونالت أعماله شهرة عالمية بعد الحرب العالمية الأولى. على سبيل المثال؛ أصبح سورين كيركغارد مصدر إلهام عظيم لجدلية اللاهوت والفلسفة الوجودية وفلسفة الحوار والوجودية اللاهوتية.

وطوى أعماله النسيان في الفترة ما بين الستينيات وحتى منتصف الثمانينيات، لكن بعد ذلك الحين شهدت أعماله نهضة مثيرة لم تقتصر على الأدباء فقط بل امتدت لتشمل الجماهير العريضة على المستويين المحلي والعالمي وخاصة في الدول التي غلبت الأفكار والرؤى الماركسية على طابع الحياة فيها.

كما استكشفته التخصصات الجديدة كالفلسفة اللغوية والفلسفة الظاهراتية والنظرية الأدبية. فالاهتمام المتجدد بكيركغارد يتصل جزئيًا بالتوق إلى الفهم الكامل للحياة على المستويين العلمي والفلسفي وكذلك على المستويين الأخلاقي والوجودي. كما يرتبط هذا الاهتمام بالبحث المتجدد عن إجابات للأسئلة الرئيسية التي تدور حول معنى الفرد والأسس الأخلاقية والعلاقة بين الدين/المسيحية والمجتمع.

"هناك نوعان من العباقرة؛  النوع الأول يتميز بإحداث جلبة لكن تأثيره ضعيف ونادرًا ما يلفت النظر، أما النوع الثاني فيتمتع بالتدبر الذي يدفعه إلى كبح جماح نفسه أو الامتناع عن إحداث جلبة. ولكن التأثير يصبح أقوى بكثير متى توفرت السرعة والثقة في إضافة الأداف المحددة". ينتمي سورين كيركغارد إلى النوع الأخير من العباقرة.

بقلم: نيلز يورغن كابلورن، جيلديندال لكسيكون