[Skip to Content]

عودة الشطيرة المفتوحة

في غضون الأعوام الأخيرة، اكتسب الطهاه الدنماركيون شهرة عالمية إذ أعادوا اكتشاف أسلوب الطهي الشمالي فأدخلوا مكونات طازجة ومحلية. تقدم المطاعم الآن سمك الرنجة ولحم الخنزير المشوي إلى جانب السندوتشات المفتوحة في جميع أنحاء العالم ولو أن لها "مذاقًا يستساغ تدريجيًا".

بقلم ماركوس برنسن، جريدة Focus Denmark العدد رقم 3، 2012.

Open faced sandwich with eggs 
في السنوات الأخيرة، استعادت الشطيرة المفتوحة شهرتها المفقودة. ونراها هنا بالبيض والجمبري.

وفي هذا الخريف، تعد الشطائر المفتوحة أفضل وجبة في مانهاتن، على الرغم أن تناولها ظل لمئات السنين قاصرًا على المزارعين فقط. لم يكن من اللائق إطلاقًا أن تغوص أسنان المرء في شطيرة مفتوحة مكونة من خبز الجاودار وفوقه لحم خنزير مشوي وملفوف أحمر ورنجة مدخنة وبيض أو غير ذلك من المكونات الكثيرة الأخرى للمقادير الدنماركية غير المكلفة.

وبالنسبة للمزارعين، كانت الشطائر المفتوحة عملية؛ فمزيج خبز الشونة واللحم المتبقي من عشاء ليلة أمس كان حشوًا كافيًا وشريحة خبز الجاودار السميكة عند قاعدة الشطيرة كانت تؤدي وظيفة الطبق. لذلك فقد تسنى لهم إحضار تلك الوجبة إلى الحقل وتناولها بأيديهم. وكان الحظ حليف بعض المزارعين إذ حصلوا على قطعة خبز مع الجبن ودهن الخنزير والبصل والجيلي كحلوى. والأوفر حظًا هم الذين يصبون قطرة من الروم (شراب مسكر) على الشطيرة قبل تناولها.

وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، أصبحت الشطائر المفتوحة مشهورة أيضًا في أوساط الطبقة الوسطى في الدنمارك وعنصرًا دائمًا على القوائم التي تقدمها الفنادق والحانات في المدن. وفي حديقة ملاهي تيفولي في كوبنهاجن، بدأت المطاعم في تقديم "شطائر مفتوحة ضخمة"؛ وهي نسخة أطول وأغنى في مكوناتها من الغداء التقليدي للمزارع.

وجدير بالذكر أن الشطائر المفتوحة الدنماركية الكلاسيكية مثل "باريسربوف" (شريحة لحم بقري مفروم وبيض مقلي وبصل ومخلل وشمندر أحمر مخلل فوق خبز الجاودار) و"ستجيرنيسكود" (نوعان من شرائح السمك المخلي المغطى بفتات الخبز قبل التحمير ومعالج بالبخار مع الجمبري والكافيار وشرائح الطماطم فوق الخبز الأبيض) نبعت من تيفولي. ويحدد النزلاء اختياراتهم من الشطائر المفتوحة في بطاقة طلب، فنشأت ثقافة كاملة حول هذا النوع من الطعام لم يكن لها مثيل في العالم. ومع نهاية القرن، قدم صاحب المطعم الدنماركي الشهير "أوسكار دافيدسن" 177 خيارًا مختلفًا على بطاقة طلبات الشطائر المفتوحة.

 

Open faced sandwich 

شطيرة مفتوحة مع الرنجة في مطعم "آمانس" في كوبنهاجن. تصوير: كاميلا ستيفان/بولفوتو.

 

المغامرة عبر البحار

تراجعت شهرة الشطائر المفتوحة في فترة سبعينيات القرن العشرين عندما ذاعت شهرة الأطعمة الأجنبية. وبدأت البيتزا والشاورما والسوشي تحل محل الشطائر المفتوحة كوجبات سريعة يسهل تناولها بالأيدي. ولم ينس الدنماركيون إضافات اللحم والخضروات والطريقة الصحيحة لتقديمها، ولكن الجيل الأحدث ربط بين هذه الإضافات و المكونات العتيقة التي تنتمي لعصر أجدادهم.

وعلى الرغم من ذلك، فقد استعادت الشطيرة المفتوحة شهرتها في السنوات الأخيرة. وعاد المطبخ التقليدي الأصيل إلى أوروبا بأكملها، وشهدت صناعة الشطائر المفتوحة نهضة جديدة. واكتسب هذا الاتجاه زخمًا عندما شرع الطهاه الدنماركيون الذواقة إعادة اكتشاف المطبخ الشمالي في مطاعم مثل جيرانيوم ونوما والتي صنفت على مدى السنوات الثلاث الأخيرة ضمن المطاعم الأفضل على مستوى العالم.

حان الوقت الآن ليجوب المطبخ الشمالي العالم. ففي سبتمبر 2012، افتتح كبير الطهاة الدنماركي آدم آمان مطعم آمانس كوبنهاجن في وسط مدينة مانهاتن. وإذ افتتح فرعان للمطعم في كوبنهاجن، أصبح مطعم آمان جزءًا من إعادة ابتكار الشطائر المفتوحة باستخدام مكونات طازجة ومحلية والجمع بينها بطرق حديثة.

ولم يختلف جوهر مطبخ آدم آمان عما كان عليه المطبخ الدنماركي منذ مائة عام: رنجة مخللة، ومحار رقيق، وأعشاب وخضروات جذرية؛ مزيج من مذاقات طازجة وقوية من البحر والبر. ويعتقد البعض أن هناك سببًا وجيهًا وراء عدم انتشار الطعام الدنماركي مطلقًا إلى ما وراء حدود البلد: فالرنجة وشراب "أكوافيت" والشطائر المفتوحة تعرف بالأصناف التي لها "مذاق يستساغ تدريجيًا"، أي يجب أن يعتاد الإنسان عليه منذ الصغر حتى يستطيع تقدير مذاقه.

إن افتتاح مطعم في نيويورك ليس بالمهمة السهلة لأن سكان المدينة لديهم خيارات مهولة بين المطاعم التي تعتمد كل أساليب الطهي التي يمكن تخيلها من شتى أرجاء العالم. فهل يمكن حقًا إقناعهم بتناول الشطائر الدنماركية المفتوحة؟

يقول آدم آمان: "كثيرًا ما يطرح عليّ هذا السؤال". "لا يعتقد الكثير من الدنماركيين أن الأمريكيين سيتناولون خبز الجاودار، لكنني أقول وحسب: أين كانت البيتزا في الولايات المتحدة قبل ستينيات القرن العشرين؟ وأين كان السوشي قبل الثمانينيات؟ إننا نلتقي الكثير من الأمريكان الذين يزورون الدنمارك ويعشقون شطائرنا المفتوحة. ويمكنكم القول بأن هذه الشطائر هي إسهامنا الوحيد المستقل في فن الأكل الدولي. وهذا بالفعل شيء مميز للغاية."



لقد كان كبير الطهاة الدنماركي آدم آمان جزءًا من إعادة ابتكار الشطائر المفتوحة. ونراه هنا في مطبخه في كوبنهاجن مع ابنته. تصوير: دينيس ليمان/سكانبيكس.

 

صعود نجم الطعام الشمالي الجديد

بدأ الدنماركيون يدركون المكانة الجديدة للبلاد في فنون الطعام. وهم يرون السائحين الأجانب يزورون كوبنهاجن لأجل الطعام وحسب. وفي السابق، لم يكن لدى اسكندينافيا أية فرص لجذب "عشاق الطعام" الذين قصدوا باريس ولندن وإيطاليا. وكان السائحون الأمريكان الذين يجوبون أوروبا يقولون إن الطعام يزداد سوءًا كلما سافر المرء شمالاً. ولقد تغيرت الخيارات أيضًا في المتاجر الدنماركية الكبرى. فعلى الرفوف نرى أشكالاً جديدة من المنتجات الدنماركية التقليدية: ظل الخبز كما هو منذ 100 عام وكذلك مربى الفاكهة كما كانت تصنعها الجدة. وكل هذه مؤشرات على اتجاه بلغ ذروته بالفعل كما يعتقد "ميتي جاميكشيا" قائد فريق العمل بمجلس الأغذية والزراعة الدنماركي:

"تبيع معظم المتاجر الدنماركية الكبرى الخضروات الجذرية والحنطة وأنواعًا قديمة من الدقيق. كلما افتتح مطعم جديد، نراه إما فرنسيًا صغيرًا أو شماليًا جديدًا. لقد أصبح هذا الاتجاه سائدًا أكثر فأكثر، وظني أن هذه هي البداية وحسب"

بدأت الدول الأجنبية أيضًا النظر إلى ثقافة الأطعمة التي أنتجت مطعم "نوما"؛ المطبخ الشمالي الشعبي. وفي لندن، افتتح ثلاثة من كبار الطهاة الدنماركيين مطعم "مادسن" الذي يقدم الطعام الدنماركي التقليدي: الرنجة، ولحم الخنزير المشوي، كرات اللحم القديمة المصنوعة من لحم العجل ولحم الخنزير والتي تُقدَم مع الملفوف الأحمر ومرق اللحم وسلطة الخيار المخلل.

وفي نيويورك، يلتحق آدم آمان بكبير الطهاة الدنماركي مادس ريفسلوند الذي له تاريخ حافل مع مطعم نوما. وافتتح ريفسلوند مطعم "آكمي" وهو مطعم فاخر ذو طابع شمالي ونال استحسانًا شديدًا من جريدة نيويورك تايمز.

وفي السنوات الأخيرة، افتتح المقهى الملكي فروعًا في طوكيو وبكين. ويصنع مخبز المقهى الكعك الدنماركي التقليدي وصنف يعرف باسم "سموشي" في حجم اللقمة، وهو مزيج من الشطائر المفتوحة والسوشي. اغتنمت الفرصة  أيضًا سلاسل المطاعم الدنماركية وحاليًا تقوم بافتتاح فروع في أستراليا والسويد ولندن. وفي أستراليا، يفكر منتجو البرنامج الشهير MasterChef (كبير الطهاة) في إقامة المسابقة النهائية العام المقبل في كوبنهاجن التي اشتهرت تدريجيًا بكونها أحد المراكز الجديدة لفنون الأكل في العالم.

Smushi - a Danish/Japanese fushion of open faced sandwich and sushi. 
 يقدم المقهى الملكي صنفًا يعرف باسم "سموشي" في حجم اللقمة، وهو مزيج من الشطائر المفتوحة والسوشي. الصورة: المقهى الملكي.

 

 

التخصصات الدنماركية في اليابان

قبل الموجة الجديدة من المطاعم الدنماركية التي افتتحت بالخارج، كانت قصص النجاح في تصدير الأطعمة الدنماركية للخارج محدودة ومتقطعة. ولكن كانت هناك بعض قصص النجاح. وللكعك بالزبدة والبسكويت الصغير المصنوع من الزبدة الدنماركية شهرة عالمية. وفي بلدان كثيرة، يسمى نوع معين من العجينة المنتفخة "دنماركي" بالرغم من أن هذه المعجنات نادرًا ما تشبه في شكلها أو مذاقها المعجنات الدنماركية.

وأثبتت أيضًا أكشاك بيع الهوت دوج الدنماركية شهرتها في الخارج، حتى أنه ليس من الغريب أن نصادفها في بلدان قاصية كروسيا وكوريا الجنوبية. وتم تصميم أكشاك بيع الهوت دوج الدنماركي كمقصورات صغيرة مغطاة ومتنقلة تعرض خيارات هائلة من الهوت دوج الذي يمكن تقديمه مع البصل المحمر وسلطة الخيار المخلل والكاتشب والخردل وغيرها من أنواع الصلصة.

وبدأت أيضًا الأطعمة الدنماركية التقليدية البسيطة مثل كرات اللحم ولحم الخنزير المشوي مع فرقعة قشرته والملفوف الأحمر في جذب الانتباه في الخارج.

وفي 2010، قامت سلسلة مخبز آندرسن اليابانية بتوظيف رئيس الطهاة الدنماركي مادس وولف، ليعلم طاقم عملها كيفية تصنيع الأكلات الدنماركية المتخصصة. وعلى مدى عامين، سافر وولف إلى حوالي 450 متجرًا من متاجر السلسلة، كما أعد موائد طعام لحفلات الزفاف والاستقبال وعلم كبار الطهاة اليابانيين طريقة صنع لحم الخنزير المشوي والشطائر المفتوحة والكعكات المحلاة. وقدم بسكويت "كلجنن" الخاص بالاحتفال بأعياد الميلاد في الدنمارك إلى المجموعة التي يعرضها مخبز آندرسن من منتجات المخبز المجمدة. واليوم، يباع بسكويت كلجنن في المتاجر الكبرى في جميع أنحاء اليابان.

وخلال إقامة مادس وولف في اليابان، تم افتتاح العديد من المطاعم المجهزة بالتصميم الدنماركي والتي تقدم الأطباق الدنماركية. لقد أصبح أسلوب الطهي الدنماركي عصريًا.

يقول وولف: "بطبيعة الحال، لم يسمع كل اليابانيين عن أسلوب الطهي الشمالي. "ولكن إذا كانت لهم اهتمامات غذائية، فمن المرجح أن يكون ذلك الأسلوب قد تناهى إلى مسامعهم. وهناك القصص التي كُتبت عنه في المجلات، إنه أسلوب عصري للطهي. وجدير بالذكر أن معظم اليابانيين مهتمون بالمنطقة الشمالية واسكندينافيا، وعندما تتاح لهم الفرصة لتذوق الطعام الدنماركي، فإنهم يحبونه في الغالب."




 

 
لقد أعاد كبار الطهاة الدنماركيون الذواقة اكتشاف المطبخ الشمالي في مطاعم مثل جيرانيوم. تصوير: جاكوب بوسيرب/سكانبيكس.

 

انتعاش التجارة والنبيذ الأحمر

بعد النجاح الذي أحزره كبار الطهاة الدنماركيون في الخارج، جاء نجاح المكونات الدنماركية بالإضافة إلى الفرص الذهبية التي توفرت للكثير من مُصنعي الطعام الدنماركيين.

وفي جميع أنحاء العالم، تجذب الأكشاك الدنماركية في معارض الطعام انتباهًا كبيرًا، وبدأ المنتجون الدنماركيون في الاستعانة بكبار الطهاة الدنماركيين الذواقة في أسفارهم للخارج.

وفي العام الماضي، ارتفعت صادرات الأغذية الدنماركية إلى ما يزيد عن سبعة بالمائة مقارنة بالعام الذي قبله، وأهم المواد كانت لحم الخنزير ومنتجات الألبان. وكان جزء من هذا النمو في الأسواق الروسية والصينية والتي أصبحت مهتمة بشكل متزايد بالجودة العالية للطعام الدنماركي.

وغالبًا ما يرتبط المطبخ الشمالي بالمكونات العضوية، ويشهد إنتاج المواد العضوية الدنماركية نموًا قويًا. خلال خمس سنوات، زادت صادرات المنتجات العضوية الدنماركية بنسبة 300 بالمائة.

وفي هذا العام وحده، أبرمت الصين اتفاقيات تجارية مع عدد كبير من المنتجين الدنماركيين، بدءًا من اتفاقية تقدر بملايين مع عملاقة منتجات الألبان شركة "آرلا فودز" وحتى شحن الخمر الأحمر من حقل صغير للعنب الدنماركي.

وحصل العديد من المنتجين الدنماركيين المحليين فجأة على تصريح بالدخول إلى السوق العالمية. ويشمل هؤلاء مصانع إنتاج الأجبان مثل "كنوثنلوند إيستيت" والذي فاز بميدليات ذهبية عن إنتاجه. جدير بالذكر أن أحد أفراد العائلة المالكة السعودية يدرس فكرة شراء حصة ضخمة من الجبن الدنماركي، بينما في فترة لاحقة هذا العام سافر أكبر تاجر جملة للأجبان في اليابان إلى الدنمارك لمقابلة المنتجين.

وفي بريطانيا العظمى، تبحث سلسلة متاجر سينسيبري فكرة تقديم خبز الجاودار وعصير البلسان المسكر والأجبان والتوت الأحمر والآيس كريم العضوي المستخلص من الراوند و غيرها من الأغذية من مصانع إنتاج دنماركية صغيرة.