[Skip to Content]

أسلوب الطهي الشمالي

أدت عودة الاهتمام بالطعام الاسكندينافي التقليدي إلى جذب انتباه عشاق الطعام وخبراء التغذية على حد سواء.

فقد استعاد الطعام الشمالي شهرته في السنوات الأخيرة. وإثر بحث قام به علماء بجامعة كوبنهاجن، ظهرأن أسلوب الطهي الاسكندينافي التقليدي صحي تمامًا كنظيره المتوسطي، مما أحدث طفرة في الاهتمام بهذا الطعام في المجتمعات العلمية وعشاق الطعام.

ومن بين القوى المحركة التي تكمن وراء الشهرة الصاعدة لأسلوب الطهي الشمالي، النجاح الذي حققه مطعم صغير في الواجهة المائية لجزيرة كريستيانشافن. نوما - وهي اختصار لاصطلاح Nordic Mad في لغة سكان الشمال‏ (وتعني كلمة ‘mad’ "الطعام" باللغة الدنماركية). أقام كلاوس ماير ذلك المطعم الحصري الحاصل على نجوم ميشلان بشراكة مع رئيس الطهاة رينيه ريدزبي، بغية إعادة إحياء أسلوب الطهي الشمالي -  وهو الهدف الذي حققه حاليًا على نطاق واسع.

تزخر قائمة الطعام بخيارات كثور المسك والتوت البري والصلصات المصنوعة من البيرة بدلاً من الخمر. وجميع هذه الخيارات تجريبية وحديثة للغاية. ولكن نجاح مطعم نوما ساعد المطاعم الأخرى في التطور وتقديم أطباق محلية جار عليها الزمان وتجنبها زوار المطاعم المتحفظون في فترة من الفترات باعتبارها أصنافًا غريبة المذاق.

في عام 2005، أصدر مجلس الوزراء الشمالي بيانًا رسميًا بشأن الطعام الشمالي الجديد كوسيلة لتعزيز إنتاج منتجات الطعام التقليدية واستهلاكها. وإذ أصابه الملل من الطعام رديء الجودة وعديم النكهة رغم فائدته الصحية الممتازة، بحث الشيف كلاوس مير عن إجابات من خلال دراسة تاريخ الإنتاج الزراعي. وعلم أن النجاح العالمي للزبدة الدنماركية ولحم الخنزير الدنماركي كان له أثر مدمر على أساليب الطهي المحلية؛ حيث إنها استبعدت معظم مجالات الإنتاج الأخرى وأجبرت المزارع الصغيرة غير المنتجة على إغلاق أبوابها.

وقد ترك قرن من العمل في النشاط الزراعي الممول أثرًا سلبيًا على تجانس العناصر الغذائية بينما كانت هناك من قبل مجموعة متنوعة وغنية من الأطعمة المحلية والوصفات والتقاليد التغذوية. وزحف علينا أسلوب جديد من التزمت الغذائي المدعوم من الصناعة الطبية الداعية للتقشف ومنبر الكنيسة. ولم يعد الطعام يعتمد على المذاق والأنس به، وإنما يجب النظر إليه من منظور القيمة الغذائية التي ينقلها، استنادًا على المناهج العلمية السائدة اليوم. وشهدت منتجات لحم الخنزير طفرة وحلت المواد التي كان من النادر أن تصادفها مثل الهوت دوج وباتيه الكبدة وكرات اللحم محل كل شيء آخر تقريبًا في روح الطهي القومية.

أكدت إحدى الجمعيات التعاونية لإنتاج لحم الخنزير والتي تأسست عام 1890 ، أنه بحلول عام 1970 ستكون هناك ثلاثة خنازير لكل فرد في الدنمارك. علمًا بأن الرقم وصل الآن إلى خمسة خنازير لكل شخص بإجمالي 25 مليون رأس. ومن الناحية العملية، فالمواد الغذائية الدنماركية الوحيدة التي يمكن التعرف عليها والتي أحيت هذه العملية كانت تلك المواد التي يمكن تناولها بسرعة مثل شطائر خبز الجاودار مع الرنجة المخللة. وكانت الترنيمة الجديدة هي أن الطعام "البسيط" السهل هو الطعام الجيد. وبإيجاز، لم تعد المتعة جزءًا من تناول الطعام.

في سبيل السعي لإصلاح هذا الخلل في التوازن، أمعن مير وآخرون النظر بدقة في البيئة الشمالية الطبيعية، ودرسوا الوصفات القديمة وتحدثوا مع كبار السن الذين لا يذكرون متى كان الطعام يصدر إلينا ملفوفًا من الجانب الآخر من العالم. وتساءلوا لمَ لا يمكن لمنطقة ضخمة ونقية نسبيًا وهبها الله التربة الغنية والمناخ المعتدل والبحار الهائجة أن تقدم المزيد. ويمكن أن نجد الآن حصيلة استنتاجاتهم في قوائم طعام الكثير من المطاعم بالمدينة. على سبيل المثال لا الحصر، محار ليمفجورد بطيء النمو، والرنة المتوحشة، وسمك جرينلاند المفلطح، وطائر طبهوج مورلاند، وجراد البحر من خليج بوثنيا بالسويد، وكافيار سمكة المصباح. وظهر أكثر من 50 نوعًا من التوت والتي ظل الكثير منها إقليميًا، من غابات اسكندنافيا ودخلت معجم أسلوب الطهي الشمالي الجديد. من كان يستطيع في السابق تذوق العنب البري، وعُليق القطب الشمالي والتوت المفتت؟

وعلى الرغم من وفرة هذه المواد الغذائية الشمالية التي تم اكتشافها مؤخرًا بشكل متزايد، فإنها لا تزال متوفرة فقط في قوائم المطاعم المخصصة للأغنياء في معظمها. ولذلك تريد رئيسة الطهاة "ترينا هانيمان" التي تسكن في كوبنهاجن وحقق كتابها The Scandinavian Cookbook (كتاب الطهي الاسكندينافي) أعلى مبيعات على مستوى العالم أن تشجع الناس على الطهي بالأسلوب الشمالي في بيوتهم. ونصبت رئيسة الطهاة التي تعمل في التلفزيون "هانيمان" نفسها "سفيرًا" للطعام الشمالي على نطاق عالمي أوسع. وكانت في الأصل متشوقة للكتابة عن هذا النوع من الطعام لأن جميع كتب الوصفات التي استطاعت العثور عليها كانت تحتوي على شخصيات رجعية ترتدي ملابس وطنية. ومن الواضح أن الوقت قد حان لطرح أسلوب الطهي الشمالي في القرن الحادي والعشرين.

تقول "هانيمان": "الطعام الشمالي هو أسلوب طهي يومي يمكن أن يلهم سكان النصف الشمالي من الكرة الأرضية لتناول الطعام محليًا وموسميًا. وهو يمس التراث ويدعو إلى تناول الطعام في "فنائك الخلفي" في سياق حديث وعصري، ولكنه أيضًا ينصب على الأطعمة الجيدة التي تطهى وتؤكل جماعة على الطاولة".

ولا يقتصر الانبهار بالطعام الشمالي على عشاق الطعام وحسب. فالعلماء يعتقدون أنه قد يكون صحيًا تمامًا مثله مثل الأطعمة المتوسطية. وكما هو الحال تمامًا في البلاد الأخرى التي وصلت إلى مستويات مرتفعة في استهلاك الطعام المعلب، تعاني البلاد الاسكندنافية من الأمراض المزمنة التي شهدناها في العصر الحديث. فهناك مستويات مرتفعة للإصابة بمرض السكري، والأمراض التاجية والسمنة والتي تعزى جميعها إلى الأغذية ذات النسب المرتفعة من الدهون المشبعة والسكر المعالج. ولكن هناك مجموعة دلائل متزايدة تثبت أن الطعام الشمالي التقليدي يمكن أن يحقق قفزة هامة في طريق الحيلولة دون الإصابة بهذه الأمراض.

على سبيل المثال، وجد أن بعض أنواع التوت تحتوي على نسب مرتفعة من الأحماض الدهنية أوميجا 3، ويُعتقَد أن أي وجبة غذائية غنية بالأسماك الزيتية تقلل نسب الكوليسترول الضار. وهناك أيضًا دليل على أن زيت اللفت الذي تم عصره على البارد صحي تمامًا مثل زيت الزيتون البكر.

من الواضح أن الأطعمة الشمالية ظهرت كبديل للأطعمة المتوسطية التي تنضج بفعل ضوء الشمس. ففي ظل المزيج الذي تقدمه تلك الأطعمة من الأسماك والخضروات الجذرية والخبز الحبيبي والجوز ولحم الغزال، تضارع إثارة تلك الأطعمة مذاقها الرائع.

وعلى حد قول "كلاوس مير" مؤسس مطعم "نوما": "ليست هذه الأيدلوجيا الجديدة للطهي إعلانًا للحرب على الطعام التايلاندي أو سحلية الخلد المكسيكية أو السوشي. ولا هي حملة عنيفة ضد البيتزا. وإننا لا نشعر بأية روابط حميمة بالأفكار الوطنية. وإنما نؤمن وحسب بأن الطعام الذي يخرج من منطقتنا يستحق أن يكون له مكان وسط مجموعة الأساليب الرائعة للطهي في العالم".


بقلم: جاسون هيبنستال