[Skip to Content]

مدن المستقبل مدن صديقة للبشر

المدينة الإنسانية الصديقة للبشر هي في المقام الأول مدينة يسهل الوصول إليها، وتتيسر الحركة فيها للجميع. فالعديد من المدن الآن تعاني من الازدحام المروري، وفي المناطق المكتظة بالسكان تعد الدراجة هي أسرع وسيلة لتجنب الازدحام، كما أنها وسيلة انتقال تتميز بالكفاءة العالية.

بقلم: لويس كايلجاست، مجموعة جيل للمعمار

توجد أعداد من المدن تشهد زيادة سكانية مطّردة في جميع أنحاء العالم وتتوق إلى التحول إلى مدن تستخدم الدراجات كجزء من الإستراتيجية الإجمالية التي تستند على التطوير المستدام والرغبة في التحول إلى مدن صديقة للبيئة. فتطوير شبكات طرق للدراجات تدعم نظام النقل العام يعد إسهامًا كبيرًا في الحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون. وفي كوبنهاجن، على سبيل المثال، يحمي راكبو الدراجات المدينة من انبعاث 90,000 طن من غاز ثاني أكسيد الكربون سنويًا. فهناك الكثير من الفوائد المترتبة على التركيز على استخدام الدراجات تفوق تلك الناتجة عن استخدام الوسائل الصديقة للبيئة.

إن مدن الدراجات هي مدن ملائمة للناس، كما أن تخطيط المدينة الذي يراعي المشاة وراكبي الدراجات سيشكل إسهامًا عظيمًا في المدينة الصديقة للبشر في المستقبل. ولقد أسهمت مجموعة جيل للمعمار في الارتقاء بهذا التطوير في عدد من عواصم العالم.

Jan Gehl

جان جيل (ولد في 17 سبتمبر 1936) هو مهندس معماري دنماركي ومستشار في التصميم المدني في كوبنهاجن تركزت مهنته على تحسين نوعية الحياة المدنية من خلال إعادة توجيه التصميم بحيث يراعي المشاة وراكبي الدراجات. كما أنه شريك مؤسس في مجموعة "جيل للمعمار". 

 

المدن الصديقة للبشر تتطلب سهولة التنقل للجميع

إن المدينة الإنسانية الصديقة للبشر هي في المقام الأول مدينة يسهل الوصول إليها، وتتيسر الحركة فيها للجميع. فالعديد من المدن الآن تعاني من الازدحام المروري، وفي المناطق المكتظة بالسكان تعد الدراجة هي أسرع وسيلة لتجنب الازدحام، كما أنها وسيلة انتقال تتميز بالكفاءة العالية. ولقد أوضحت دراسة استقصائية أجريت في كوبنهاجن أن غالبية راكبي الدراجات يقع اختيارهم على هذه الوسيلة في الانتقال لأنهم يرغبون في الوصول بسرعة إلى الوجهة التي يقصدونها وهو ما يعد أهم أسباب استخدامهم للدراجة بدلاً من السيارة. ولقد شاع استخدام الدراجة كوسيلة انتقال فعالة في أماكن أخرى حول العالم مثل مكسيكو سيتي؛ وهي واحدة من أكثر المدن معاناة من التكدس المروري.

وتندرج مشكلة الازدحام المروري ضمن كبرى المشاكل الاقتصادية لما يترتب عليها من إهدار العديد من ساعات العمل يوميًا في التوقف في الاختناقات المرورية. يبلغ متوسط سرعة السيارات في مكسيكو سيتي في ساعات الذروة 4 كم بالساعة، في حين تتميز الدراجات بمتوسط سرعة يبلغ 10 كم بالساعة. من ناحية أخرى، قررت الحكومة المحلية إعداد إستراتيجية للدراجات بالتعاون مع الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك ومجموعة جيل للمعمار وذلك في إطار اتخاذ إجراءات للتخفيف من مشاكل المرور الرئيسية وخلق بيئة عامة أفضل في المدينة عمومًا. وفضلاً عن كون الدراجات وسيلة انتقال فعالة فيما يتعلق بالوقت المستغرق فإنها كذلك تتميز بتكلفتها المعقولة. حيث يمكن لأكثر شرائح المجتمع فقرًا امتلاك واحدة على العكس من السيارات. لذا، فإن التخطيط لإنشاء مدينة ملائمة لركوب الدراجات من شأنه الإسهام في خلق مدينة تتمتع بمزيد من الشمولية والعدالة الاجتماعية، وبذلك لن تُستَثنى شرائح كبيرة من الناس من التحرك داخل المدينة. مع العلم بأنه يمكن وضع هذا الاندماج الاجتماعي موضع التنفيذ بعدة طرق. 

 

الدراجة كوسيلة للاندماج الاجتماعي

يظهر الفصل المكاني جليًا في مكسيكو سيتي، حيث تقطن الطبقات العليا والمتوسطة المناطق المركزية بالمدينة، أما الطبقات الفقيرة فهي منبوذة في مساكن عامة بأطراف المدينة. ولقد تمت معالجة هذه المشكلة في إستراتيجية الدراجات التي أعدتها مجموعة جيل المعمارية وذلك من خلال إنشاء شبكة شاملة تضم دربًا للدراجات وتهدف إلى تيسير التنقل من خلال المناطق المغلقة الأخرى وبذلك فإنها تمكن مختلف الفئات الاجتماعية من التفاعل.

من الجدير بالذكر أنه يمكن من خلال شبكة طرق دراجات مطورة الإسهام في الاندماج الاجتماعي بين الفئات العمرية المختلفة. فحتى في المدن فاحشة الثراء، تعاني شريحة كبيرة كالأطفال والشباب والكهول من قيود شديدة في الحركة نظرًا لأن المدينة مصممة للسيارات؛ وهي وسيلة انتقال لا يتسنى لهم استخدامها. كما أن المدن المصممة للسيارات تغلب عليها المسافات الطويلة، فضلاً عن كونها تضم العديد من العوائق التي تعرقل التحرك سيرًا على القدم أو بالدراجة. ومن الجدير بالذكر أن تحسين الظروف للمشاة وراكبي الدراجات سيضمن سهولة تنقل عدد أكبر من الناس في جميع أرجاء المدينة. ومع ذلك فهناك بعض العواصم العالمية التي تضم مسافات طويلة جدًا لا يمكن التغلب عليها بمجرد إنشاء شبكة دروب متطورة للدراجات لضمان سهولة الانتقال للجميع. وهو ما يعد بمثابة التحدي الذي لا يقتصر على مكسيكو سيتي فقط ولكنه يمتد ليشمل بكين كذلك. ولقد قدمت مجموعة جيل المعمارية منذ عام 2008 توصياتها لمعهد التخطيط حول كيفية تخطيط مدن ملائمة للناس. وفي هذه الحالة يجب أن يتم دعم إستراتيجية الدراجات وتعزيزها من خلال نظام النقل العام.

 

مدينة مستدامة وصديقة للبشر - كيف؟

عادة ما تتطلب مدينة الدراجات البنية التحتية الملائمة التي تتضمن دروبًا وأماكن لانتظار الدراجات، فضلاً عن عدد من مبادرات التواصل مثل إطلاق الحملات التي تعزز ركوب الدراجات وتثقيف الأطفال وإطلاق مبادرات خاصة تستهدف المجموعات التي لا تقوم عادة بركوب الدراجات. وتتمثل أهمية هذه المبادرات في تبني ثقافة الدراجات في المدن التي تفتقر لهذه الثقافة.

ومن الضروري كذلك خلق نوعية من البيئة المدنية تجعل من التنقل على الأقدام أو باستخدام الدراجة فكرة محببة. فهذه عملية مستديمة نظرًا لأن وجود المشاة وراكبي الدراجات يسهم بشكل كبير في حياة المدينة.

وعلى عكس راكبي السيارات، يتشارك راكبو الدراجات والمشاة ميزة التنقل بسرعة معتدلة مما يجعل من وجودهم أمرًا ظاهرًا في المناطق المفتوحة. كما يتمتع راكبو الدراجات بالمرونة فيما يتعلق بالتحول السريع من ركوب الدراجات إلى المشي. وهو ما يتيح الفرصة للناس للتجمع والالتقاء في المدينة. ومن الضروري كذلك إلقاء الضوء على الوجود الفعلي لراكبي الدراجات والمشاة في المناطق العامة في مقابل الوضع بالنسبة لراكبي السيارات الذين يحصرهم الحاجز المكاني. ومع ذلك، فإن الرغبة في التنقل داخل المدينة أو باستخدام الدراجة لا تأتي من تلقاء نفسها، فلا بد أن تعززها بيئة مدنية ملائمة للناس.

ويتعرض المشاة وراكبو الدراجات لجميع الظروف المناخية كالشمس والرياح والمطر. وعليه يجب أن يتم وضع هذه الظروف بالاعتبار قدر المستطاع عند تخطيط أرصفة المشاة ودروب الدراجات. وفضلاً عن ذلك، يجب أن يتم التشجيع على الحضور إلى المدينة والتنقل فيها وذلك من خلال خلق بيئات مدنية شيقة. كما يجب أن يتم تقسيم المسافات الطويلة والرتيبة إلى أجزاء أصغر وتوفير تفاصيل جذابة مثل رسم بعض الصور الشيقة على الأرضيات. فهذه هي أهم المبادئ التي يمكن الاستعانة بها في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك فإن اختلاف طبيعة المدن سيؤدي إلى وجود اختلاف في الإستراتيجيات والمبادرات.

 

عواصم العالم تبادر باتخاذ أُولى أهم الخطوات

في مدينة نيويورك نال الارتقاء الشامل بالبيئة العامة بأولوية كبرى. وفي إطار الرؤية الخاصة بالمدينة على مدى 20 عامًا ومفادها "تخطيط مدينة نيويورك لخلق مدينة صديقة للبيئة وعظيمة"، أوصت مجموعة جيل المعمارية المدينة بإعداد إستراتيجية "شوارع من الطراز العالمي"، حيث تتضمن هذه الإستراتيجية تحويل عدد من الأماكن العامة ووضع خطة لشبكة شاملة تضم دروبًا للدراجات. ولقد تم تنفيذ عدد من المشروعات التجريبية لتيسير الطرق الجديدة المتبعة في بحث المناطق العامة بالمدينة وتخطيطها.

وبعد التسليم بأن مكسيكو سيتي تخلو في الوقت الراهن من ثقافة قوية في مجال الدراجات، فإنها لجأت إلى اختيار إعداد إستراتيجيات مختلفة لمختلف المجموعات المستهدفة في تعاون تضمن المجلس البلدي والجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك. أما المشكلة في بكين، فهي النقيض تمامًا. فهي تتمتع بثقافة عميقة فيما يتعلق بالدراجات، إلا أن المشكلة تكمن في أنها تتعارض مع رغبة الدولة في تحقيق التقدم والنمو. وفي سيناريوهات المستقبل الخاصة بالصين، يتم اعتبار السيارة رمزًا مهمًا للتقدم في حين أن انتشار الدراجات الذي يسيطر على حياة الشارع فيعد من آثار الماضي وآفة جمالية تصيب المناظر الطبيعية المدنية. ومع ذلك تعمل الحكومة المحلية على الارتقاء بنشاط ركوب الدراجات باعتباره نشاطًا ضروريًا ومستدامًا فيما يتعلق بتقدم الدولة وهو ما من شأنه التخفيف من مشاكل المرور الهائلة التي نشأت في السنوات العشر الأخيرة. ويتمثل الهدف من وراء ذلك في استخدام الدراجات، في المقام الأول، كمكمل لنظام نقل عام مطور.

وبناءً على الاستشارات التي قدمتها مجموعة جيل للمعمار، اتجهت ملبورن إلى الارتقاء بالحياة المدنية وتعزيزها، أما دروب الدراجات الموجودة هنا في "كوبنهاجن" فتأتي كواحدة ضمن العديد من المبادرات. ولقد تمخض هذا المجهود عن نتائج هائلة خلال السنوات الخمس إلى العشر الأخيرة، حيث ازدهرت المدينة وقامت ببناء مركز مدينة قوي ومفعم بالحياة.

 

الأوجه المختلفة للموضوع نفسه

أصبح التفكير في مدينة الدراجات والذي يندرج ضمن العديد من الإسهامات المعدة لتعزيز البيئة المدنية الجذابة، أمرُا فعالاً للغاية. فكل من مدينة الدراجات ومدينة المشاة والمدينة الصحية والمدينة الجذابة والمدينة التي يسهل الوصول إليها تشكل أوجهًا للموضوع نفسه. فالتخطيط للمشاة وراكبي الدراجات يعد نقطة انطلاق واضحة للبدء في إنشاء مدينة مستدامة وصديقة للبشر.

Melbourne 
درب الدراجات في ملبورن بأستراليا "على طريقة كوبنهاجن". وهو درب متاخم لرصيف المشاة تفصله السيارات المتوقفة والمنطقة العازلة المخصصة لفتح أبواب السيارة عن حركة المرور. تصوير: سيمون جودارد